يُعد مسلسل “الفتنة” واحدًا من أكثر الأعمال الدرامية التونسية التي أثارت الجدل والاهتمام في الموسم الرمضاني الحالي، حيث استطاع أن يجذب المشاهدين منذ حلقاته الأولى بفضل حبكته المتقنة، أداء نجومه البارز، وقضاياه الشائكة التي تعكس واقع المجتمع التونسي.
المسلسل، الذي عرض على قناة الحوار التونسي، هو من إخراج سوسن الجمني، ويضم نخبة من ألمع الممثلين، من بينهم منى نور الدين، ريم الرياحي، محمد مراد، محمد علي بن جمعة، نجيب بالقاضي، ونجلاء بن عبد الله.
قصة تلامس الواقع وتثير التساؤلات
يعتمد “الفتنة” على سيناريو قوي يمزج بين التشويق، الدراما الاجتماعية، والغموض، و يعالج مواضيع شائكة تمثل قضايا جوهرية في المجتمع التونسي، مثل الميراث حيث يتناول المسلسل صراعات العائلات حول توزيع الإرث، وما يترتب عليها من انقسامات وخلافات حادة بين الأشقاء، حيث يعكس العمل كيف يمكن للطمع أن يدمر الروابط العائلية ويؤدي إلى نزاعات طويلة الأمد.
كما يتطرق إلى تهريب الآثار ويسلط الضوء على قضية النهب والاتجار غير المشروع بالآثار التونسية، وهي مشكلة تعاني منها العديد من الدول التي تمتلك تاريخًا حضاريًا عريقًا. ويكشف العمل كيف يتم التلاعب بالقوانين وتورط شخصيات نافذة في هذه التجارة غير الشرعية.
و من بين المواضيع المطروحة أيضا الخيانة الزوجية حيث تطرق المسلسل إلى الجانب العاطفي والاجتماعي من خلال قصص الخيانة الزوجية، وما تسببه من تفكك أسري وأزمات نفسية للأطراف المعنية، ويعرض المسلسل مدى تأثير هذه الظاهرة على العلاقات الزوجية والمجتمع بشكل عام.
هذه المواضيع الحساسة جعلت من “الفتنة” مادة دسمة للنقاش بين المشاهدين والنقاد، حيث يرى البعض أن العمل يعكس الواقع بصراحة وجرأة، بينما يعتبره آخرون طرحًا جريئًا قد لا يناسب جميع الفئات.
كوكبة من النجوم وتألق في الأداء
من بين أبرز نقاط القوة في “الفتنة” هو الأداء الاستثنائي لنجومه، وقد تمكن كل ممثل من تقديم دوره ببراعة وإقناع حيث أظهرت السيدة منى نور الدين مجددًا قدرتها على تقديم أدوار قوية تحمل الكثير من العمق الدرامي، و لعبت دورًا محوريًا في تصاعد الأحداث.
أما ريم الرياحي، فجسدت شخصية معقدة ومليئة بالمشاعر المتناقضة، حيث قدمت أداءً مؤثرًا زاد من تفاعل الجمهور مع قصتها.
محمد مراد، قدم دورًا مختلفًا كشف عن تطور أدائه الفني، حيث لعب دورًا غامضًا أثار فضول المشاهدين.
كما نجح محمد علي بن جمعة في تقمص شخصية تعكس صراعات الإنسان بين المبادئ والطموحات الشخصية.
وأبدع نجيب بالقاضي في تقديم شخصية تحمل أبعادًا نفسية واجتماعية معقدة، ما جعله من أكثر الشخصيات تميزًا في المسلسل.
كما استطاعت نجلاء بن عبد الله أن تلفت الأنظار بأدائها الطبيعي والمقنع، حيث قدمت شخصية تمثل جانبًا مهمًا من الصراعات المطروحة في العمل.
رؤية إخراجية متميزة وإنتاج متقن
تميز العمل برؤية إخراجية دقيقة لـسوسن الجمني، حيث اعتمدت على تصوير سينمائي جذاب، إيقاع سريع، ومؤثرات بصرية وسمعية تعزز من أجواء الغموض والتوتر. كما تميز الإنتاج بجودة عالية من حيث الديكورات، الملابس، وتصميم المشاهد، ما جعل المسلسل يبدو كعمل سينمائي متكامل أكثر من كونه مجرد مسلسل تلفزيوني.
جدل واسع وردود فعل متباينة
أثار “الفتنة” جدلًا كبيرًا بين المشاهدين والنقاد بسبب جرأته في تناول مواضيع حساسة، حيث انقسمت الآراء بين مؤيدين يرون أنه يعكس الواقع التونسي دون تجميل، ومعارضين يعتبرون أن بعض الأحداث والمشاهد تجاوزت حدود الجرأة الدرامية.
ورغم الجدل، فإن المسلسل استطاع أن يكون حديث الساعة، وحقق نجاحًا لافتًا جعله من أبرز الأعمال الدرامية لهذا الموسم.
“الفتنة” عمل درامي يترك بصمة قوية
يؤكد “الفتنة” أن الدراما التونسية قادرة على تقديم أعمال جريئة وواقعية تطرح قضايا تهم المجتمع بعمق واحترافية. و بين النجاح الجماهيري والجدل المثار، يبقى هذا المسلسل تجربة فريدة تركت أثرًا قويًا في المشهد الفني التونسي، مما يفتح الباب أمام أعمال مشابهة في المستقبل تناقش قضايا اجتماعية بجرأة وإبداع.
ريم حمزة