لجنة التحاليل المالية والعمل بعقلية “حاميها حراميها”

خليفة الدلالي

عيونها غافلة على المهربين والمتلاعبين باقتصاد البلاد ومفتوحة على المواطنين المتمردين على اللوبيات

في ظل الحركة السريعة للأموال “النظيفة” و”القذرة” كان لا بد من بعث هياكل تتابع مسارات تلك الأموال لتميز بين “الخبيث” منها و”الطيب”. في تونس تقوم بهذا الدور اللجنة التونسية للتحاليل المالية ، التابعة للبنك المركزي التونسي ، من خلال متابعتها لجميع المعاملات المصرفية لمعرفة المشبوهة المتعلقة بغسيل الأموال والمعاملات الاحتيالية وتمويل الارهاب .

بعد مرور 7 سنوات عن انشاء هذه اللجنة يبدو أنه من الواضح أن علاقتها بالكفاءة كعلاقة جدتي بالفيزياء  حيث لم نر أثرا واضحا لعمل هذه اللجنة في متابعة الأموال القذرة المتأتية من التهريب الذي تغول في تونس وانتشر وتجاوز السلع إلى البشر وإلى أمور تشكل خطرا على سلامة الدولة وتماسك اقتصادها وبيانات الديوانة والأمن تشير إلى كشف آلاف القضايا سنويا المتعلقة بتهريب المخدرات والأسلحة والبضائع والبشر عبر الحدود التونسية دخولا وخروجا مع ما يتبع ذلك من أموال طائلة لتمويل تلك العمليات وأيضا كعائدات لها وهي ضخمة جدا يمكن أن تحل الأزمة المالية التي تعاني منها البلاد وجعلتها تتسول على أعتاب المؤسسات المالية العالمية دون أن تنال ما يشفي غليلها ..

لو كان عمل لجنة التحاليل المالية ناجعا لقامت بتتبع مسارات تلك الاموال و لقامت بحجز ولو نصفها أو ربعها ولكن تلك الأموال وأصحابها يتحركون بيسر وسلاسة وتمر أموالهم عبر البنوك دون أن يتركوا أثرا وراءهم بل الأصح كان على لجنة التحاليل المالية أن ترصد تلك الأثر لأنه لا وجود للجريمة الكاملة وأي متجاوز للقانون لا بد أن يترك ثغرة تؤدي إلى كشفه فهل أن المتهربين والمتلاعبين في تونس من القوة والذكاء إلى درجة أن لجنة التحاليل المالية التي هي صمام الأمان لاقتصاد تونس ودليل رسوخ الشفافية بها وواجهتها أمام المؤسسات الرقابية المالية العالمية المترصدة لتهريب الأموال وللجنات الضريبية والتهرب الجبائي المفرط عجزت عن القيام بدورها فلماذا إذا هذه “العيطة والشهود” والكلام الذي نسمعه حول اللجنة وقوتها وقدرتها على ترصد الأموال القذرة.

لم تكتشف اللجنة التونسية التحاليل المالية محلات الصرف المنتشرة في أنحاء كثيرة في البلاد والتي تعمل خارج القانون وتبيع العملات بأسعار تنافسية تقسم ظهر الدينار التونسي واقتصاد البلاد ورصيدها من العملة الصعبة كما أن عديد المؤسسات حتى الإعلامية منها تتعامل مع شركائها الأجانب بطرق ملتوية فترسل إليهم مستحقاتهم المالية وبالعملة الصعبة خارج المسالك الرسمية كما أن الجميع يعلم أن حركة الدخول والخروج المتواترة للمغنين واللاعبين الاجانب ما هي إلا واجهات لتهريب أموال إلى الخارج وتبييض أموال فاسدة يراد لها أن يتم ضخها في تونس فهل سمعنا يوما أن لجنة التحاليل المالية تحركت في هذا الاطار؟

لقد تعاملت اللجنة  مع عديد قضاة التحقيق وتدخلت للاستئناس برأيها في قضايا معروضة على المحاكم تخص تهريب أموال أو إدخال أموال إلى تونس لكن عديد المصادر تؤكد ان تقارير اللجنة لم تقدم شيئا مفيدا للقضاء وللفرق الأمنية المختصة يمكن أن يعينهم على تتبع هذه القضايا لأن تقاريرها مغرقة في العموميات ودون حجج واضحة تعزز دور القضاء والأمن في ضرب المهربين والمتلاعبين بالأموال  حتى وصل الأمر باللجنة إلى تقديم تقرير طلبه منها أحد القضاة كان عملية نسخ لأحد المقالات الصادرة بصحيفة تونسية. أي أن لجنة التحاليل المالية إما أنها لا تملك خبراء قادرين على كتابة تقارير عند الطلب أو أنها لا تريد التعاون مع السلطات القضائية أو الأمنية.

لم نسمع أن لجنة التحاليل المالية  كان لها دور في قضايا مالية بامتياز تورط فيها شخصيات سياسية معروفة منها من غادر السجن لعدم كفاية الأدلة ومنها من هو مازال قابع فيه لكن المقربين منه يقولون إنه سيغادره قريبا لأن ملفه “فارغ”  .. الجميع في تونس يتحدث عن لوبيات التوريد العشوائي التي أغرقت الأسواق التونسية ببضائع مقلدة وحكمت على مؤسسات تونسية تنتج مثل تلك البضائع بالإفلاس لكن لم نر للجنة التحاليل المالية دور في ايقاف هذا النزيف رغم أن العديد يعلمون أن عائدات السياحة وتصدير زيت الزيتون والتمور وغيرها لا تدخل تونس وأنه يتم التلاعب لتبقى الأموال بالعملة الصعبة في الخارج وتنال المؤسسات التونسية المصدرة والفنادق أموالا تونسية مقابلها فلا يرتفع رصيد تونس من العملة الصعبة ولا ينتعش دينارها لأن لجنة التحاليل المالية لا تتابع حركة تلك الأموال المجعولة لضرب الاقتصاد وخنقه.

في المقابل تتحرك هذه اللجنة بأمر من جهة ما ودائما ما تكون سياسية لتتبع هذا الشخص أو ذاك إما لاعتبارات ايديولوجية أو لتصفية حسابات أو لتعطيل حزب ما أو جمعية ما كل ملفاتها في النور وعملها تحت الأضواء الكاشفة ولا توجد لها أي مخالفة بسيطة حتى وإن كانت متعلقة بقواعد المرور لم تتحرك اللجنة لتتبع هؤلاء إلا تلبية لأمر من لوبيات الفساد السياسي والمالي التي تم تأسيس لجنة التحاليل المالية خصيصا لمقاومتها فاذا بها تصبح سيفا مسلطا في يدها على من يريدون خدمة البلاد.

 ولأن اللجنة والمسؤولين عليها لا يعدوا أن يكونوا “أدوات سياسية” رفسوا القانون المنظم لعمل اللجنة وتجاوزه خدمة لأطراف مالية وسياسية فاسدة فإن حصادها كان هزيلا وحتى الضجة التي حاولت اللجنة إيهام التونسيين من ورائها أنها كانت السبب في خروج البلاد من قائمة “غافي” السوداء لا معنى لها لأن العمل قامت به أطراف عديدة كما أن تونس لم تغادر القائمة السوداء إلا لتستقر في القائمة الرمادية إضافة إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية في بلادنا في تراجع لأن المستثمر الأجنبي نفر من تونس لأنه لا يشعر فيها بالأمان ومن نافلة القول التذكير بأن من صميم أهداف عمل لجنة التحاليل المالية هو تنقية مناخ الاستثمار واستقطاب المستثمرين الأجانب وحصيلتها في كل ذلك صفر لا غير .

كما أعلنت اللجنة، أنها عالجت 1086 ملفا، خلال سنة 2020، متعلقة بالتصريح والمعاملات المشبوهة مقابل 645 ملفا خلال 2019 و 600 ملفا خلال سنة 2018 إلا أن لا شيء من تلك القضايا كان له أثر في إفادة الاقتصاد ولم نسمع أن أثارا ما ترتبت لا على مستوى ايقاف فاسدين أو استرداد أموال “هاربة” أو قطع سلسلة لغسيل أموال قذرة أما ما تقوم به اللجنة من مراسلات نحو البريد التونسي و شركات تأمين وهيئات التوظيف الجماعي والبنوك فيكون على الأغلب لضرب مواطن تونسي بسيط أراد خدمة بلاده عبر تقديم العون لمحتاجيها بما يستطيع وفق قدرته أو لأن “أمرا” ما ورد في حقه من لوبي ما وما أكثر اللوبيات في بلادنا التي حولت مؤسساتنا ولجاننا إلى أن يحق فيها وصف “حاميها حراميها”.

Related posts

الأحد 7 جويلية 2024 هو مفتتح شهر محرم للعام الهجري الجديد 1446

Ra Mzi

المنتخب الوطني للرقبي 7 لاعبين يترشح لكأس أمم افريقيا 2022 ويقهر مصر على أرضها

root

مركز الاِحاطة و التوجيه الاجتماعي بتونس : اِخلالات بالجملة تقرر عنها اِيقاف المدير

root