Avant Première
آخبار وطنية

أبو يعرب المرزوقي: لن تخرج فرنسا من أعراض الانحطاط المتواترة إلا بمعجزتين صارتا مستحيلتين.

حدّث أبو يعرب قال:

فرنسا وعملاؤها: السقوط العاجل الحتمي

يمكن أن ألخص هذا العنوان في عبارتين موجزتين: لن يخرج فرنسا من أعراض الانحطاط المتواترة إلأ معجزتين صارتا مستحيلتين. وببيان هذه الاستحالة أبدأ كلامي لأني لا أريد أن أجزم بشيء ليس مبنيا على أسس صلبه: 1-فلا بد لها من دوجول جديد. وهو أمر بات متسحيلا لعلتين: انجلترا لم تعد مهتمة بحرب قارية وفرنسا لم تعد لها مستعمرات تجند أبناءها في حماية ذاتها. 2-أو من نابليون جديد. وهو أمر اكثر استحالة لعلتين كذلك: فرنسا لم تعد رائدة في أوروبا حتى قبله وحرب فرنسا الحالية هي على افكار الثورة التي ساعدته. والاستحالة الأولى يمكن اعتبارها مادية بالاساس: لم يعد لفرنسا لا السند المادي الخارجي -لجوء دوجول إلى انجلترا التي واصلت الحرب بعد انهيار فرنسا السريع واستسلام جل نخبها ولم يعد لفرنسا حرية التصرف في ثروات افريقيا وجنوب شرق آسيا ومنها جاءت القوة التي ساهمت بها فرنسا في الحرب الثانية. والاستحالة الثانية يمكن اعتبارها روحية بالاساس: لم تعد فرنسا مركزا لثورة مبشرة بالقيم التي هي بالجوهر قيم القرآن الكريم أي الاخو ة البشرية وحصر التفاضل في احترام القانون وحماية حقوق الإنسان في ما يرد إلى المقاصد الضرورية الخمسة. وهذه القيم هي التي تريد الآن محاربتها وهي التي ستجعل ما كان محركا لفعلها الخارجي محركا للتفاعل الداخلي فيها فيكون علة الحرب الاهلية التي هي ذاهبة إليها بسرعة جنونية. والغريب أن هذا السقوط شبه الحرب الخاطفة على الذات يتوهمه أصحابه وكانه يمكن أن يأيتهم عن طريق “جان دارك” ثانية هي مرين لوبان التي ستكون سبب خراب فرنسا لأنها غافلة عن الاستحالتين اللتين ذكرت. مباشرة بعد عودتي من ماليزيا في بداية 2006 دعاني مركز الجاحظ لتقديم محاضرة حول ازمة الهوية. وفيها بينت أن هذه الأزمة ليست خاصة بالأمة الإسلامية بل هي كونية وهي أشد في أوروبا منها عند المسلمين. وبينت أن حرب فرنسا على الهويات في مستعمراتها -بخلاف انجلترا التي كانت أكثر ذكاء في استعمارها رغم أن كل استعمار دليل حقارة وعقلية شرلوكية-هي التي ستقضي عليها في الغاية لعلتين كذلك: 1-أولا الثقافة الشعبية ببعديها أي الفنون وما يتعلق بالمائدة والسرير والرياضات البدنية بكل انواعها وخاصة العنيف منها وكرة القدم وهي التي ستغير رؤية العالم لدى غالبية الشعب أي في طبقاته الدنيا والوسطى. فهذه هي التي تمثلها انثروبولوجية مستعمراتها وهي التي ستنتصر في النهاية ليس في أوطانها فحسب بل في فرنسا نفسها بسبب الهجرة وحاجة فرنسا للعمالة وحتى لتجديد الاجيال لعزوف الاروبيين عن الانجاب وتلعقهم باللذة لذاتها ورفض الكلفة المادية والخلقية لرعاية الاطفا وهو ما ترمز إليه الاحياء الشعبية في احواز المدن الكبرى وهي أشياء شاهدتها عيانا لما كنت طالبا في باريس بين 1970-و 1974 وأعمل في نهاية الأسبوع إما في حراسة الفنادق ليلا أو المحلات نهارا أو في توزيع بعض المواد للتعريف بها مقابل ما يساعد على اتمام الشهر. وأذكر أني ساهمت في توزيع معجون الاسنان كولجات أول خروجه في فرنسا بما يعدل 400 فرنكا كل يوم احد. وفي تلك المناسبات تعرفت على معازل الحركيين -الجيتوات- التي يعيش فيها ما يمثل مستقبل كل قوادة فرنسا الحاليين من مستعمراتها. 2-انتقال مراكز الثقافة العالية إلى خارج فرنسا وخاصة ألمانيا وأمريكا وانحدار مستوى البحث العلمي الفرنسي وتحول الثقافة النخبوية إلى شعبوية من جنس ما ساد بعد ما يسمى بثورة 68 والتخريب الروحي الذي سببها ثم تلاها ومنه خاصة الفلسفات العدمية من جنس “الآخر جهنم” والحرب على الاسرة وعلى التقاليد التي تحمي الكيان وتماسك الجماعة. فالوجوديات والماركسيات وحتى العيش الفوضوي للحركات التي جعلت أمراض بعض “المفكرين” ابداعا فأنهت ثقافة البحث العلمي الجدي وصار التآدب والتهريج أبداعا وما نراه في مزابل “الابداع” في السينما العربية عامة والتونسية خاصة وفي المسرح المزعوم رياديا كل ذلك علته الخلط بين فيض الخاطر والفكر وبين الارتجال والتدبير. حتى عم الامر فصارت السياسة تكتيكا دون استراتيجية تتجاوز ذنفة أنف ادعياء الزعامة. وليس بالصدفة أن صار الاعيان جلهم “زوافرية” من المهربين وباعة الفريب والمخدرات والجنس والاجرام المحلي والدولي. لن تجد في فرنسا بعد جيل آخر موحد للنخبة السياسية ضد النكوص إالى الفاشية من يمكن أن يعتبر رجل دولة لأن الانحطاط بدأ يدب في فرنسا منذ أن أصبح أمثال ساركوزي ومكرون يمكن أن يرأساها. وعندنا في المغرب الكبير من يتبعونهما بل ويعبدونهما. وعندما أقرأ ما ينتجه أدباء آخر الزمان اكاد أجزم أن كل أحمق صار يعتقد أنه شكسبير وبودلار وكل دجال يتصور نفسه فولتار وروسو وأن الرواية هي السيرة الذاتية لأي غبي وليس بحثا في أعماق النفس البشرية التي هي أكثر الأشياء غموضا كلهم لا يعلمون أن هومار قد قال إن الشعر يبدأ لما يتجاوز الشاعر ذاته ولا يقتصر على قص أحوال نفسه. وفي الحقيقة فهذه الظاهرة هي من جنس ظاهرة الشعبوية السياسية والثقافية العامة يتصور أصحابها أن العلم لا يفكر وأن الفلسفة المتشاعرة هي الفكر الذي لا ينسى الوجود مثل التصوف. كلهم يجهلون أو يتجاهلون أن الكشف عن أغوار الموجودات هو عين تذكر الوجود وأن نسيانه علته الخلط بين فيض الخاطر والبحث في أسرار آيات الآفاق والانفس. ماذا بقي لفرنسا وعبيدها من الصبايحية في مستعمراتها؟ فلأذكر بأن آخر حملة فرنسية للجارد موبيل كانت أسرتي ضحية لها -كنت قريبا من اتمام العقد الاول من عمري-كانت في المعركة بين بورقيبة وابن يوسف. حوصرت اسرتي لنزع سلاحنا الذي كنا نحرس به ما بقي من ثروتنا الحيوانية. كان لصوص الحيوانات نهارا وليلا يسرقون الأنعام وكان “الخليفة” (ما يناظر المعتمد حاليا) و”القايد” (ما يناظر الوالي حاليا) يقاسمانهم ثمرة السرقة ويساومان اصحابها على استرداد المسروقات مقابل التنازل الطوعي على نسبة مقدرة من ثمنها لو بيعت. هذه معطيات لا يعرفها شباب اليوم رغم أن شيئا منها عاد في عهد ابن علي بعد أن صارت اسرته واسرة ليلاه تفرضان انتزاع املاك الناس أو مقاسمتهما إياها طوعا أو كرها. وهم يحاولون اخفاءها بالزعم إن تونس كانت أفضل قبل الثورة. لكني عشت الوضعيتين إلى ان انتهت الحرب الاهلية بين اليوسفية والبورقيبية وإلى أن انتهت الحرب الاهلية بين ابن علي والاسلاميين وفي الاولى كان ما يخيفنا ليس الجيش الفرنسي -الجارد موبيل التي حاصرت بيتنا-بل ما كان يؤغب أي تونسي خوفا على الاعراض من الاغتصاب هو إما الليجيون انترنجار أو خاصة “السيلغان” أي الجنود السينغاليين. وفي الثانية كان ما يخيفنا هو الارهاب المخابراتي الذي كان ابن علية وزبانيته يختلقة حتى ييسر ضرب الإسلاميين والامر تكرر في بلاد العرب الاخرى وخاصة بعد الثورة لأن داعش تبين الآن أنها كانت من صنع المخابرات المحلية والدولية حتى وإن كانت تستغل الغضب الشعبي من العدوان على الأرض والعرض. فالرزقاوي مثلا هو الذي أفشل ثورة السنة في العراق لأن حاضنتها صارت تعاني منه أكثر مما تعاني من الشيعة مثلا. لماذا ذكرت هذه القصة وهي شبه سيرة ذاتية؟ لانها تشير إلى ما لم يعد بوسع فرنسا استعماله: فلا يوجد سينغالي واحد اليوم يمكن أن يعتدي على اخوته خدمة لفرنسا سواء في وطنه أو في أي مكان آخر. وليس بالصدفة أن كان للإسلام دورا رئيسيا في استئناف حرب التحرير من العبودية في أمريكا والتغلب على التمييز العنصري فيها لأن حركة الأفارقة وأحفادهم فيها استعادت حنينها إلى ما حرمت منه بالتنصير العنيف الذي لم يحررها من العبودية بل شرعنها وشرعن تصفية الهنود الحمر قبلهم. ولم يعد لفرنسا إذا أرادت استعادة مستعمراتها التي بدأت تثور القدرة على تجنيد أبناء أي منها لغزو أي منها. فعندي من أهلي من استعملته فرنسا في فياتنام ووالدي رحمه الله فرضوا عليه أن يخدم سنة كاملة في مرسيليا في الحرب الأولى واختي وخالي قتلا في الحرب الثانية خلال القتال بين الالمان والامركيان في أرضنا. وكان الجيش الفرنسي معهما وهو مؤلف من ابناء المستعمرات لأن الجيش الفرنسي في المتروبول كان تابعا لفيشي. وأبناء فرنسا الحاليون ممن ليسوا من المستعمرات ينقسمون إلى من هم مع لوبان وهم في الغالب من الأجيال المتقدمة في السن وقد يكونوا في قيادات الجيش وليس في “التروب” والتروب كلها من الشباب وهم في الغالب تربية جديدة لم يعد لها الحقد الاستعماري رؤية مقبولة والحرب ستكون عليهم لا بهم. لذلك فإذا استلم الشعب الفرنسي “لجان الثانية” وهي مهزلة فإنه ذاهب إلى حرب أهلية حتما. وعملاء فرنسا سيذهبون في “العفس” لأن الحماية التي ينتظرونها من فرنسا تكون قد تبخرت وحينها لن يستطيعوا اللجوء إليها ولن يستطيعوا البقاء في أوطانهم التي خانوها فيصبحوا أذل خلق الله فعليا لأنهم من الآن هم كذلك في قرارة أنفسهم. ومن أنذر فقد اعذر. لذلك دعوتهم لتكوين حزب كبير بعد مراجعة أنفسهم والتنافس النزيه مع المقاومين الذين حرروا البلاد من حاميتهم ولا ينكر عليهم كونهم اخوتنا في الوطن زل بهم الحساب السياسي الخاطي ونحن ميالون إلى اذهبوا فأنتم الطلقاء. ومزية التنافس الديموقراطي الذي يكون هدفه التعارف لا التناكر سيفيد الأصالة والحداثة في آن: فنحن سننافسهم في الحداثة بما فيها من فضائل مع مقاومتنا لما نتصوروه فيها من رذائل وهم سينافسوننا في الأصالة بما فيها من فضائل مع مقاومتهم لما يتصورونه رذائل فتكون النتجية إيجابية في الحالتين إذ تتخلص الحداثة من قشورها ومثلها الاصالة ويكون الجامع بيننا التواصي بالحق والتواصي بالصبر في خدمة الامة والإنسانية وتلك هي حقيقة الرؤية الإسلامية التي أمرنا القرآن فيها بارجاء الحسم في الغيبيات الدينية إلى يوم الدين. ولولا ذلك لما فهمنا علة أن يتضمن دستور الرسول حلفا بين المسلمين واليهود وحتى الوثنيين من العرب لحصر العلاقة في الرعاية والحماية وترك المعتقدات بين الإنسان وربه ولهذه العلة فالدولة ذات المرجعية الإسلامية بالمبدأ وبالممارسة هي الوحدية في التاريخ الإنساني التي نصها المقدس يفرض عليها حماية كل الأديان (2 منزلان و2 طبيعيان كما هو بين من البقرة 62 والمائدة 69) بل ويقدم حماية المعابد غير الإسلامية على حماية الإسلامية كما هو معلوم. ولهذه العلة فالبلقان مثلا بقي خمسة قرون في الخلافة ولم تهدم كنيسة ولا بيعة في حين أي بلد استعمره الغرب لم يبق فيه إلا المسيحية ناهيك عن شعب يعتبر التواصل مع الله حكرا عليه لأنه شعبه المختار. ذلك هو مستقبل الإنسانية: إنه التطبيق الفعلي لشروط الاستثناء من الخسر التي تنطبق على أي جماعة تريد حياة سملية اعني الوعي بأن الاخلاد إلى الأرض يؤدي إلى الخسر وأن الخروج منه هو التعالي بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وتلك هي شروط تطبيق معنى الأخوة البشرة (النساء 1) والمساواة بين البشر (الحجرات 13) حيث لا يعرف الإنسان بما يمكن أن يؤدي إلى الحرب بل بما يؤدي إلى السلم أي التعارف معرفة معرفة ومعروفا بدلا من التناكر تنكرا ونكرانا. وختاما فبهذا المعنى يمكن وصف فرنسا وكل عملائها بصورة جديدة لما يمكن أن نسميه رجل الراهن التاريخي المريض كما كانت الخلافة لما أصابها مرض التناكر تنكرا ونكرانا لقيم القرآن فآلت إلى الانهيار. وما بقي فيها من اسلام أنقذها فعاد إليها عنفوان الشعب ذي الحياة الروحية التي لا تبلى. فرنسا لن ينقذها غير الإسلام رغم أن ممثلي أدواءها حاليا يعادونه ويحاربونه: إنه مخاض إذا لم ينجب ثورة روحية قد تعيد إلى شعبها نضارة فقدها بسبب عاهات اليعقوبية وإلحاد الماركسية فكان المآل التزييف النسقي لأفضل ما في تاريخ الحداثة بأن فرضوا عليه التأويل الإلحادي والايهام أن ديكارت مؤسس فكر الغرب الحديث ملحد في حين أنه كان اقرب مفكر إلى الأشعرية (الجنسينية مذهب وضعه متكلم اسباني أي أندلسي) جعل الميتافيزيقا ميتااثيقا ذات أصل

Related posts

منتدى الحقوق الاقتصادية يدعو السلطات التونسية إلى وقف مسارات التعاون مع البلدان الأوروبية التي لا تحترم حقوق المهاجرين

Zina Bk

صفاقس: المجلس الجهوي للاتحاد الجهوي للشغل يقر تثبيت الاضراب العام الجهوي يوم 8 افريل القادم

Ramzi Afdhal

منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية: العفو الرئاسي لم يشمل الموقوفين في الاحتجاجات الأخيرة

Ramzi Afdhal