fbpx

“الموت البطيء”… سكان الشوايحية نخرتهم اللشمانيا وخنقتهم مصبات المرجين

زينة البكري


تعدّ شجرة الزيتون من الأشجار المباركة وهي ثروة طبيعية ومصدرا لزيت الزيتون التي هو شفاء لكل داء، لكن هذه الشجرة أصبحت كابوسا لسكان عدد من المناطق في باجة، القيروان وسيدي بوزيد وبعض المناطق في الجنوب التونسي، وذلك بسبب انتشار مصبات مادة المرجين وهي مخلفات سائلة لعملية استخراج الزيت من الزيتون بالمعاصر والتي تتكون من ماء الزيتون وماء غسل الزيتون.
مناطق كثيرة تأثرت بمصبات المرجين التي تفتقر أغلبها إلى المواصفات المطلوبة، فأفقدتهم حقهم الدستوري في بيئة سليمة وأصبحوا يعانون من الروائح الكريهة ومن تضرر الطبقة المائية والتربة ومن انتشار وباء اللشمانيا المنقول من الذباب والذي يتكاثر في المستنقعات وفي المناطق التي توجد بها مواد ذات حموضة مثل “مادة المرجين”.
الشوايحية: لا بيئة سليمة ولا حياة كريمة
عند دخولك إلى منطقة الشوايحية التابعة لمعتمدية الشراردة من ولاية القيروان، تشعر وكأنك في منطقة صحراوية قاحلة تسيطر عليها الكآبة والحزن ويعاني سكانها من انتشار مرض اللشمانيا، إضافة إلى معاناتهم المستمرة من الروائح الكريهة المنبعثة من مصبات مادة المرجين، فالسكان هناك لا يتمتعون بحقهم في بيئة سليمة ونظيفة ولا يملكون حياة كريمة بل يعانون من اضطهاد المسؤولين الذين أجبروهم على تحمل الروائح الكريهة عن طريق تهديدهم بالسجن والطرد من العمل، وفق شهادات رصدتها 24/24.
عند حديثنا مع سكان المنطقة المذكورة، لاحظنا آثار وباء اللشمانيا “أو حبة الفأر” تنتشر على أجساد سكان المنطقة كبارا وصغارا فهي ندوب دائمة تشبه آثار الحرق بالنار، ويتكبد سكان هذه المنطقة الغارقة في التهميش عناء التنقل إلى مدينة بوحجلة لتلقي العلاج إما عن طريق الحرق بالنار أو عن طريق الإبر.
يشتكي الشاب فوزي قروي من تعامل السلطات السلبي مع هذا المصب ، ويؤكد أنهم استعملوا القوة ضد المواطنين ومنعوهم من الاحتجاج والمطالبة بحقهم في بيئة سليمة وهواء نقي وتربة صحية.
يضيف في حديثه لـ 24/24، “تم إنشاء هذا المصب في سنة 2011 وبعد نضالاتنا المستمرة ضده تم إغلاقه في 2015 لكن والي الجهة أعاده إلى العمل في 2017 باستعمال القوة العامة وتم تهديدنا بالسجن”.
يواصل معز حديثه “نعاني في منطقة الشوايحية من الفقر وزادنا مصب المرجين معاناة جديدة بعد أن تسبب في عدة أمراض للسكان القريبين منه، فانتشر وباء اللشمانيا أو حبة الفأر وأكل أجساد الأطفال والنساء والشيوخ”.
يضيف “يصل عمق مصب المرجين نحو 7 متر وهو ما تسبب في إلحاق الأضرار الجسيمة بالتربة والأشجار المجاورة للمصب، وهو ما دفع عدد من السكان إلى الانتقال من منازلهم والهرب لولايات ومناطق مجاورة”.
يختتم قائلا “بلغنا أنهم ينوون توسعة المصب بزيادة 20 هكتارا لكنني أقول مهما قاموا بتخويفنا وترهيبنا فإن نضالاتنا مستمرة لغلق هذا المصب ولإنقاذ أطفال وشباب المنطقة من الوباء المنقول عن طريق الحشرات السامة والفئران التي تتكاثر وتعيش قرب مصب المرجين”.


من جهته يدعو “علي”، رجل خمسيني أصيل منطقة الشوايحية، السلطات للتدخل بشكل عاجل لإنقاذهم من الخطر المحدق بهم جراء الروائح الكريهة المنبعثة من مصب المرجين، ولإنقاذ الأطفال الذين يعانون من الندوب الدائمة على أجسادهم الصغيرة والنحيلة جراء إصابتهم بمرض اللشمانيا”.
كما يؤكد محدثنا على “أن أهالي المنطقة يعانون من الروائح الكريهة المنبعثة من المصب إلى جانب تعرضهم لعدة أمراض أخرى مثل ضيق التنفس مشيرا إلى أنهم في مرحلة “الموت البطيء”.
ويؤكد محدثنا “على أن ونضالات أبناء الجهة لغلق المصب قوبلت بالهرسلة والتهديدات الأمنية وتهديدات الجهات النافذة وبعض اللوبيات، وفق قوله.
النقاط السوداء في القيروان
في حديثه لـ 24/24، كشف فوزي صمارة، الناظر العام بالمستشفى الجهوي ببوحجلة من ولاية القيروان، أن اللشمانيا الجلدية أو “حبة الفأر” مرض جلدي موسمي تنقله أنثى الذباب من الفئران إلى البشر، مشيرا إلى “أن عملية العدوى تحدث في ماي، جوان وجويلية بينما تبدأ الأعراض بالظهور منذ بداية شهر أوت وإلى غاية شهر مارس من كل سنة”.
يضيف فوزي صمارة، أنه تم في مستشفى بوحجلة علاج 33 حالة بالإبر و257 حالة تم علاجهم بالنار الباردة والساخنة في 2020، مشيرا إلى أن منطقة بوحجلة هي الوحيدة في الوسط والشمال التي تعتمد بالمداواة بالآزوت”.
وأكد محدثنا على أن “الذبابة الناقلة لمرض اللشمانيا تتكاثر أساسا في المناطق التي يوجد بها مستنقعات وحموضة (المرجين)، مشيرا إلى أن مرض اللشمانيا ينتشر في عدة مناطق في ولاية القيروان مثل سد سيدي سعد، منزل المهيري، الشوايحية، الشراردة، الشرايطية الجنوبية… وأن جميع الفئات العمرية تضررت من هذا المرض دون استثناء”، حسب قوله.
القصة الكاملة للمصب
تعود ملكية هذا المصب لكل من إبراهيم البعزاوي وحسين البوعزيزي وتم إنشاؤه سنة 2011، لكن تقرير صادر عن الوكالة الوطنية لحماية المحيط في 27 نوفمبر 2020 ، تحصلت 24/24 على نسخة منه، ” أثبت أنه بعد أخذ عينتين من التربية للتحليل فإن التربة تحتوي على 0.15مغ/ل من مادة الفينول و0.24 مغ/ل”.
وأثبت التقرير أيضا “انبعاث روائح خصوصية لمادة المرجين من الحفريات على عمق يقدر بـ7 متر وقد أكد التقرير تسرب مادة المرجين من أحواض المصب وتلويثها للتربة، وأن المصب لا يستجيب لشروط ومتطلبات حماية المحيط حيث أنه يفتقر خاصة إلى حوض لاستقبال مادة المرجين”.


كما خلص التقرير إلى “أن المرجين يحتوي على مواد عضوية شديدة التركز إذ يصل الطلب البيولوجي لمثل هذه النفايات إلى 3000 ملغ/ ل وبمفعول الحرارة تتعفن هذه المواد وتفرز روائحا كريهة تلحق الضرر بالصحة العامة كما توجد به مواد شديدة الخطورة ومصنفة ضمن المواد السرطانية وهي البوليفينول المتكون أساسا من الأنتوسيان والتانان والفيول:، هذا ونظرا لخصوصية المنطقة وتواجد المائدة المائية على مسافة قريبة تتراوح بين 6 إلى 12 متر فإن تسرب هذه المادة إلى التربة يساهم في تلويثها وذلك بالترفيع في درجة حموضتها وتغيّر تركيبتها الفيزياكميائية وبالتالي التأثير على خصوصيتها، كما يمكن أن يلحق هذا التلوث بمادة المرجين الضرر بالمائدة المائية القريبة للموقع وبالتالي التأثير على الغراسات والزراعات”.
وأوصى التقرير “بضرورة التوقف حالا عن تلويث المحيط وإيقاف استغلال المصب وإزالة التلوث ومخلفاته من المحيط المتضرر وإعادة تهيئة الموقع، لكن ذلك لم يحدث وتقدم أصحاب المصب بمطلب لتوسعته على مساحة تمد لنحو 35 هكتارا، وفق معلومات تحصلت عليها 24/24”.
وتحتوى ولاية القيروان وحدها على 25 مصبا، منها 15 فقط في طور الاستغلال ومتحصلة على التراخيص أما باقي المصبات فهي رسميا مغلقة لعدم استجابتها للشروط.


وتعتبر مادة المرجين من المواد الملوثة نظرا لحموضتها المرتفعة (PH5.5) واحتوائها على مواد فينولية ونسبة هامة من المواد العضوية والمعدنية مّما يرفع من الطلب البيولوجي والكيميائي من الأوكسجين إضافة إلى لونها الأسود والرائحة الكريهة التي تفرزها عند خزنها.
ويؤكد سكان منطقة الشوايحية وسكان بعض المناطق الأخرى التي تحاصرهم مصبات المرجين الغير مطابقة للمواصفات المطلوبة، أن نضالاتهم لن تتوقف في سبيل حصولهم على حقهم الكامل في الهواء النقي وبيئة سليمة كما ينص عليه الدستور التونسي.
وينصّ الفصل 45 من الدستور التونسي على أنه “تضمن الدولة الحق في بيئة سليمة ومتوازنة والمساهمة في سلامة المناخ، وعلى الدولة توفير الوسائل الكفيلة بالقضاء على التلوث البيئي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *