أزمة قيم خانقة …التعليم.. العائلة ..الانترنات و الدولة …يتحملون المسؤولية

تحيل و فوضى وانتهاك للأخلاق الحميدة وعنف لفظي ومادي وتحرش جنسي في وسائل النقل العمومية.. عبارات نابية تملأ الفضاءات في الأحياء والطرقات وفي المدارس والمعاهد و على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في المنازل .. غش واختلاس وجرائم يومية مؤلمة و مفجعة  ذم وثلب لكل مخالف للآراء أو المواقف مهما اختلفت أبعادها.

المجتمع التونسي يعيش في عديد زواياه أزمة أخلاقية مدوية وانهيارا قيميا مفزعا…ترى و تسمع ذلك في كل مكان و لعل اعتداء التلميذ على استاذه بسكين و محاولة قتله أحدثت  زلزال في المجتمع التونسي أخبار التدليس و الاستحواذ على المال العام في البنوك و البلديات و المنشآت العمومية جميعها نتاج  انحطاط أخلاقي وزور وغش وخيانات وسقطات مدوية تنخر هذا الكيان وتدفع به إلى القاع.

إلى أين نحن ذاهبون؟ أين ذاك التونسي البسيط المعتدل  الذي كان رمزا للنقاء النفسي؟ أين هو التونسي النابذ لكل مظاهر العنف والغطرسة والجفاء؟ أين تبخر التونسي المعطاء المحتشم التونسي الذي يقدر الصغير قبل الكبير؟ هل أضحينا في زمن لا نعرف فيه ذواتنا أم فقدنا فيه طرق البحث عن ذواتنا الضائعة في غياهب العنف اللفظي والفكري و التحيل؟ أم هل بتنا نعاني انفلاتا أخلاقيا وإنسانيا غير مسبوق؟

وزارة التربية و التعليم وفرت التعليم و غيبت التربية فأنتحت لنا مرضى نفسانيون

وحول الحديث عن أسباب ظاهرة التفسخ الأخلاقي لدى بعض التونسيين اليوم أكّد الأستاذ أحمد الأبيض المختص في علم النفس في حديث لـ24/24 أنه عادة ما تحدث الانحرافات الأخلاقية والنفسية من قبل فئة الشباب المارة برحلة البحث عن الذات هذه الفئة الرافضة للسلطة العائلية والأبوية سواء كنوع من الاقتداء بالأصدقاء أو كمظهر من مظاهر تكوين الشخصية البعيدة عن كل ما هو أخلاقي أو قيمي أو ديني.

ونوه الأستاذ الأبيض في المقابل بأن منسوب الانحرافات الأخلاقية في المجتمعات العربية أكثر حدّة وارتفاعا ففي تونس مثلا يختلط الكبير و الصغير في توصيفه لما اتسمت به كل الفئات العمرية  من انفلات وتسيب ولامبالاة. 

وأفاد من جهة أخرى بأنّ الانضباط هو حالة عامة تكاد تكون استثنائية لدى التونسي نظرا لعدم التزام مناخنا الاجتماعي به، مشيرا إلى أن التسيب أصبح يمارس فوقيا ونخبويا ولعل من بين النماذج المجتمعية السلبية والسيئة التي تعكس ذلك هو ما تبثه بعض البرامج التلفزية من حوارات متشنجة تصل أحيانا إلى حد الشجار والشتم علنا وعلى المباشرو مسلسلات تمجد العنف و الجريمة…

 واعتبر الدكتورالأبيض أنّ هشاشة شخصية الشباب التونسي  وميله إلى التقليد وتأثره بسوء العلاقات الأسرية التربوية الخاطئة التي تترك في الغالب آثارا نفسية لا يمكن للزمن محوها هو من بين الأسباب التي أدت إلى انتشار حالة العنف اللفظي والمادي و التحيل و الابتزاز و التدليس و عقوق الوالدين  الذي طال كل الفئات والمواقع، قائلا لهذا السبب أضحى كل المجتمع التونسي مصابا بالمرض النفسي ومعرضا له بدرجات معينة. و هذا نتاج وزارة التربية و التعليم التي اكتفت بالتعليم و أهملت التربية و بالتالي قدمت للمجتمع التونسي مهندسين و اساتذة و أطباء و معلمين و محاسبين و اطارات عليا في كافة المجالات و لكن تنقصهم على حد قوله القيم و المبادئ التربوية.

اهتمام الأئمة بغسل الجسد و اهمال تطهير الروح

و في ذات السياق بين الزيتوني و الباحث في علوم الدين الاستاذ الشاذلي كيوة لـ 24/24 أن الازمة اللي يعيشها مجتمعنا خلاصة سنوات طويلة من نوم العلماء بما في ذلك من تخلي الامام العالم عن دوره في التوعية و الارشاد و الحصيلة تردي شبه كلي للأخلاق و تراجع قيمي مخيف  و الاسباب عديدة لعل أهمها عدم قيام  الأئمة بدورهم اهتموا بغسل الجسد و أهملوا غسل الروح التي تم تغيبها و النتيجة مفزعة جيل بلا أخلاق و لا مبادئ و هذه المعضلة تفاقمت منذ عقود نظرا لتغيير مناهج و خطب التعليم في المساجد يركزون على كيفية الوضوء و الغسل و الجلوس و يتجاوزون المهم الا و هو الصدق و الأمانة و النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف حتى في المناهج التعليمية المعتمدة يغيبون مكارم الأخلاق التي هي أصل تكوين الناشئة الحسنة على النظافة و الاحترام و أضاف الشيخ كيوة أن الحل الوحيد لإصلاح ما أفسده هؤلاء ان يلتزم كل شخص باختصاصه وحينها فقط سنتقدم و ستتلاشى هذه الظواهر المشينة التي نهى عنها  دين الاسلام سيلتزم كل شخص بما له و ما عليه و تصلح النفس و ترتقي الروح.

 . 

غياب القدوات الايجابية هو مكمن الداء

 من جهته أكّد الأستاذ سامي نصرأستاذ علم الاجتماع لـ 24/24   أنه لا يمكن الجزم بأن نسبة الانحلال الأخلاقي التي أصبحنا نشهدها في هذه السنوات قد فاقت ما شهدته القرون السابقة ويفسّر ذلك لصعوبة مسألة المقارنة نظرا لضعف فرع اجتماع الأخلاق في العالم العربي بصفة عامة  على حد تعبيره، مشيرا في المقابل إلى ان الانحلال الأخلاقي نتيجة بات أمرا عاديا خاصة مع ارتباط ارتفاع منسوبه مع كل أزمة ومنعطف سواء كان اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا

 وأضاف محدّثنا بأنّ  أسباب الانحلال الأخلاقي تعددت وتنوعت على تعدد وتنوع الرجات في بلادنا سواء كانت ثقافية او اقتصادية أو سياسية  أو أخلاقية

 وصرّح الأستاذ نصر أنّ من بين أسباب الانحلال الأخلاقي كذلك هو أنّ جانب الثقافة بكل أبعادها لم تلعب دورها الكفيل بمعالجة هذه الظاهرة ولم تنجح في الدفع  لخلق النموذج الأخلاقي الجديد الذي يكون متأقلما مع المعطيات الاقتصادية والثقافية والعولمية الحديثة..

 على صعيد آخر استنكر محدّثنا الجدول الزمنيفي  الدراسة في تونس الذي وصل إلى حدود 36 ساعة أسبوعيا معتبرا انّه من العار أن نثقل كاهل أبنائنا بهذا القدر ونقحمهم بين الجدران  دون أن نترك لهم مجالا لعيش حياتهم الاجتماعية وممارسة هواياتهم الثقافية والجمعياتية التي تساهم في تنمية الجانب الأخلاقي فيهم لمحاربة كل جوانب الانحلال والتفسخ الأخلاقي بعد ذلك..

وأضاف محدّثنا لا شك بأن المجتمع التونسي تغير بعد 60 سنة من الاستقلال وتبلور هذا التغير خاصة إبان سنة 2011  أين شدّنا تراجع مجموعة من السلط كسلطة الدولة وسلطة المؤسسات وسلطة المعلم والأستاذ والولي، وسط استهلاك قوي لمضامين الفايسبوك والانترنت والمشاهدة القوية للقنوات الفضائية بمعنى أن البيئة الاجتماعية للمجتمع التونسي تغيرت تغيرا جذريا ونوعيا فلم تعد تلك البيئة التي عرفناها في الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20 ولم تعد أيضا العائلة كالتي عرفناها في الخمسينات أو الستينيات من ذات القرن أي عائلة ممتدة فيها سلطة متنوعة ومضاعفة كسلطة الأب وسلطة الخال والعم والجد وحتى الجارفغياب القدوات الايجابية هو مكمن الداء.وتابع نصر مشددا على أنّ كل هذه المؤسسات التأطيرية والتنشيئية تفككت تدريجيا وضعفت سلطتها لصالح سلط أخرى مهمة من أبرزها الإعلام والانترنت والفايسبوك، وهي ما اعتبرها مجتمعات باردة ولكنها في المقابل قوية التأثير في الأجيال الجديدة  وأكد أنّ واحدة  من المشاكل السوسيولوجية تتبلور في أنّ الشاب يستشعر العزلة بمعنى لا يرى نفسه محاطا بالقدوات الايجابية ولا قادرا على التأثير في بيئته، وهو ما يجعله يبحث عن القدوة من خلال عالم افتراضي بارد ولكنه شديد الإغراء والتأثير في عقليته وفي نفسيته على حد تعبيره انعكس سلبا على تصرفاته و أكبر دليل التلميذ الذي اعتدى على استاذه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.