fbpx

أزمة تونس: السياسيون يهتمون بمواضيع ثانوية.. الإعلام يتبعهم والقضايا الرئيسية مهملة

ياسين الصيد

يتساءل التونسي وتساؤله مشروع وشرعي – على راي رئيس الجمهورية حول الشرعية والمشروعية – هل ان الاحزاب ومؤسسات الدولة برمتها والمنظمات الوطنية هي فعلا “تونسية” وتتابع نبض الشارع ام انها كرئيسنا من كوكب آخر؟


في ظل أزمات تتعاظم ككرة الثلج وفي ظل وضعية ينطبق عليها شعار “حذار فان أزمة قد تخفي أزمة أخرى” يتصارع الجميع في تونس حول “اللاشيء” ويتعالى ضجيجهم ويبدعون في افتعال الازمات معتمدين على إعلام حائز على أعلى الشهائد في “صب الزيت على النار” فاذا بالجميع يتسابقون للظهور منتفخي الاوداج لتنطلق “القذائف” الكلامية من فمه وكل له “صواريخه” على منصاتها يوجهها بطريقة عشوائية ليكون المستهدف الاول والاخير منها الشعب.
إدمان على الاستقطاب والتجاذب
هذه السمة الغالبة على المشهد السياسي التونسي ليست وليدة هذه العهدة بل منذ ان انبلج فجر الثورة واستكمل أعداؤها ما خططوا له لوأدها وتحويل وجهتها من مغنم شعبي إلى مغنم لفئات قليلة أداتهم في ذلك اثارة نعرات الاستقطاب الايديولوجي والتجاذبات السياسية فانطلق الصراع في المجلس التاسيسي حول قضايا لم يثر من اجلها الشعب ولم يلق لها بالا ابدا لانها محسومة لديه اذ لا علاقة به بالصراعات حول الهوية والامور الدينية لان كل التونسيين ومنذ القدم منفتحون على الاخر ومقبلون على كل الحضارات ويحترمون كل الاديان ولا ينازعون احدا حريته الشخصية ولا يلومون شخصا على ما يعتنقه من افكار ومذاهب وها ان التاريخ يؤكد لنا ذلك فتونس السنية قامت فيها دولة شيعية ازدهرت وانتعشت لتمتد حتى مصر وتونس المالكية عاش فيها المتبعون للمذهب الحنفي بسلام آمنين وتونس الاشعرية احتضنت المعتنقين لمذاهب اخرى ابرزها الاباضية إلا ان ساسة ما بعد الثورة غرقوا في بحر الحرية لانهم غير متعودين على السباحة فيه او لانهم يحنون إلى مستنقعات الاستبداد اختلقوا قضايا افرغ من فؤاد ام موسى ليتمطط عمل المجلس التاسيسي من سنة إلى ثلاث اعوام والحمد لله انه انتهى على دستور اشاد به العالم رغم ان دعاة الجندرية المتطرفة قللوا من قيمته بدعوى انه لم يعط المراة المكانة التي تستحق كما ان المثليين كان لهم نصيب في معركة الاستقطاب وتم طرح ما يعتقدون انه مشاكله على انظار الشعب في حين انهم قلة شاذة لا يجب ان تفتك الاهتمام من القاعدة.
وفي كل ذلك كانت المطالب التي من اجلها ثار الشعب مركونة على الرف بل ان اعوان الثورة المضادة سعوا بقوة إلى “تجميدها” لاستعمال تعطل تنفيذها في اطار حربهم على الثورة ولدفع الشعب إلى الندم على انه ثار على عصابة حكمته بالحديد والنار ولهفت ثرواته واحتكرتها لنفسها لعقود بل ومازالت كذلك إلى اليوم.
وفي العهدة السياسية الثانية بعد الثورة تغير شكل الصراع ليصبح مصطبغا بصبغة عائلية وجهوية ليتواتر الحديث عن صراعات بين اقطاب السلطة المالية والسياسية في تونس فهذا قطب الضاحية الشمالية من العاصمة وهذا قطب “السواحلية” وبينهما قطب “الصفاقسية” الباحث عن موطئ قدم في السلطة السياسية بعد ان قويت شوكته اقتصاديا وفي كل تلك الصراعات تم طرح كل القضايا إلا ما يهم المواطن.
خارج الفضاء التونسي


في العهدة الثالثة قوي الصراع واتخذ شكلا جديدا روجت له بداية حركة الشعب وهو تشكيل حكومة الرئيس وصارت الحرب داخل هذا الاطار وزينت تلك الحركة لرئيس الجمهورية التوسع في صلاحياته وصار زهير المغزاوي المستشار السياسي الخفي لرئيس الجمهورية وتم اسقاط حكومة الحبيب الجملي لا لخلل في برنامجها لانها لم تمنح حتى الوقت الكافي لوضع برنامج اقتصادي واجتماعي يغير حال التونسيين إلى الاحسن وان نسبيا بل تم اسقاطها لانها حكومة النهضة التي تتحمل هي ايضا جزءا من المسؤولية بترشيحها لشخصية ضعيفة بسبب ما كان يعتمل داخل الحركة من صراعات على خلافة رئيسها وعلى افتكاك سلطة القرار داخلها ودفع المواطن فاتورة كل ذلك بان صعدت حكومة “الشخصية الاقذر” الذي مد يده إلى اموال الشعب في ظرف صحي صعب ثم انتقم لاقالته او استقالته بان ابعد وزراء النهضة وقرر فتح الحدود “على البحري” كما يقول اشقاؤنا في مصر وها ان نتيجة ذلك نحصده اليوم من تغول لفيروس كورونا على التونسيين ساخرا مما تمتلكه الدولة من بنية صحية مهترئة وتعالى التراشق بالتهم بين الاحزاب والمسؤولين ولم يكترث طرف منهم للوضع الصحي وللغول المتربص بحياة الشعب غير واعين انهم متواطئون مع الفيروس بشكل وان كان غير مباشر وانهم ان تواصل انتشاره بهذا الشكل المربع قد يقوموا في الصباح فلا يجدون من يحكمون على راي عادل امام في مسرحية “الزعيم”.
كورونا كشفت المستور

سعت النهضة وحلفاؤها إلى جلب رئيس الحكومة الجديد إلى معسكرها ونجحت في ذلك بعد ان احس المشيشي انه سيكون “لعبة” او مجرد دمية في يد رئيس الجمهورية

اندلع صراع حاسم اطرافه ترى انه قضية حياة او موت بالنسبة اليها في حين يراه الشعب عبثيا لا طائل من ورائه إلا مزيد اغراق البلاد في بحر مشاكلها وتعسير مهمة انقاذها من الغرق حيث منذ تعيين هشام المشيشي على راس الحكومة في اوت الماضي خلفا لالياس الفخفاخ سعت النهضة وحلفاؤها إلى جلب رئيس الحكومة الجديد إلى معسكرها ونجحت في ذلك بعد ان احس المشيشي انه سيكون “لعبة” او مجرد دمية في يد رئيس الجمهورية ليحكم من خلاله ويتحكم في كل شيء وطبعا سيكون المشيشي متحملا للفشل لوحده ولا يد له في النجاح ان تحقق وطبعا ذلك النجاح كان بعيد المنال لان لا احد من المواطنين كان ينتظر تعيين هشام المشيشي ريسا للحكومة كما فاجأهم تعيين الياس الفخفاخ قبله فالمشيشي قليل التجربة ولا قدرة له على استنباط الحلول للازمات المتفاقمة يوما بعد يوم كما كان الفخفاخ عنوانا للفشل حين تولى وزارة المالية في حكومة الترويكا وكاد يقضي على الثورة وهي مازالت تتحسس خطاها الاولى بقراراته الغريبة والمريبة من خلال فرض اداءات على الضعفاء كادت تفضي إلى ثورة تطيح بمنجز 14 جانفي والشعب نبذه في الانتخابات الرئاسية الاخيرة ولم يمنحه إلا 0,38 من اصواته ورغم ذلك تم اختيارة لتشكيل الحكومة فكانت بلا برنامج ولا رؤية وكان من يقف وراءها يفكر في مصلحته وليس في مصلحة الشعب فرئيس الجمهورية يريد توسيع صلاحياته بحركة التفافية على الدستور والتيار الديمقراطي يريد ان يكون الحاكم الفعلي للبلاد رغم ان حاصله الانتخابي لم يمنحه إلا المرتبة الثالثة ليقينه ان الفخفاخ تسهل السيطرة عليه وانه سيرد له جميل استجلابه إلى المسؤولية الاهم في البلاد وهو ما كان فعلا اما حركة الشعب فلها اجندا “براملية” تريد تعميمها في تونس ورات في الفخفاخ وسيلتها لذلك بتسريبها إلى مفاصل الدولة بطريقة لا تتناسب مع حجمها الانتخابي ورغم ان الحكومة ضمت عناصر من النهضة وصلت إلى سبعة وزراء إلا ان الائتلاف بين المختلفين كان صعبا وعسيرا ليشرعوا في التنابز بالتهم والخروج من معركة للدخول في اخرى وكلها لا علاقة لها بالشعب فنسبة البطالة لم تتراجع بل تراجعت نسبة النمو إلى اسفل السافلين والاسعار التهبت لان الانتاج ضعيف والطلب غلب العرض وثبت ترهل البنية الصحية حيث تفطن التونسيون إلى انهم طيلة 60 سنة من الاستقلال او أكثر لم توفر لهم الدولة إلا 90 سرير انعاش وان الصحة احتكرتها لوبيات المال كما احتكرت عديد المجالات ولم نر مسؤولا او حزبا او مؤسسة من مؤسسات الدولة قامت بتحرك جدي للتوقي من انتشار الجائحة رغم ان اغلب الاطباء بحت اصواتهم وهم يحذرون صباحا مساء ويوم الاحد ايضا من ان الكارثة قادمة وان الاستعداد لها مطلوب لكن الجميع كانوا يشحذون سكاكينهم لخوض معاركهم الشخصية والحزبية والايديولوجية ولا احد فكر في خوض حرب من اجل الشعب.
حرب الصلاحيات

في عنفوان تغول كورونا وتحولها إلى خطر يهدد الامن القومي لم تتوقف المعارك السياسوية


في عنفوان تغول كورونا وتحولها إلى خطر يهدد الامن القومي لم تتوقف المعارك السياسوية فرئيس الجمهورية رفض ان يخرج المشيشي من جلبابه واصر الحاحا على اقالته وتنحيته قبل ان يدخل في أي حوار وعطل تفعيل التحوير الوزاري رغم ان اغلب من استوزرهم المشيشي اختارهم قيس سعيد ومحيطه الضيق إلا انهم كانوا بارعين في الفشل وينجح مشروعه السياسي الذي بشرنا قبل ولوجه قصر قرطاج رغم ان الشعب اختاره لا حبا في ذلك البرنامج لانه اولا قدمه بطريقة ضبابية وثانيا لانه لم يعلن عزمه فرضه بالقوة كما هو واقع الحال الان بل عبر مؤسسات الدولة التشريعية فان قبلوا بها فياحبذا وان رفضوه فسيتحملون مسؤوليتهمم امام الله والتاريخ والشعب .. هكذا حدثنا قيس سعيد فاذا به يلقي بكل ذلك وراء ظهره ويصر ويستميت في الدفاع عن مشروع وتهيئة الارضية لفرضه عبر “تشليك” مؤسسات الدولة وترذيل الاحزاب والتشنيع بالبرلمان ليضع الشعب امام الامر الواقع وروج لفكرته في الثكنات بطريقة غير مسبوقة لا في تونس ولا خارجها والحمد لله ان المؤسستين الامنية والعسكرية طلقتا السياسية طلاقا بائنا والا لكانت الكارثة ورفض رئيس الجمهورية مبادرة اتحاد الشغل للحوار الوطني والتي لم تقدمها المنظمة النقابية حبا في الشعب واعلاء لمصلحة البلاد بل خوفا من مشسروع قيس سعيد لانعاش التنسيقيات الشعبية وتقويتها فتحل محلها كمتحكم رقم واحد في الشارع ليرفض قيس سعيد المبادرة ويفرض شروطه للدخول في الحوار الوطني واهمها استقالة المشيشي وجعل ابرز محاور الحوار ليس الوضع الصحي او الاقتصادي او الاجتماعي بل تغيير النظام السياسي لفرض النظام المجالسي وفسخ دستور 2014 وعشرة سنوات منذ 2011 وضرب منجز تاريخي حسدنا عليه كل العالم بجرة قرار يفتح الباب امام الديكتاتورية لتعيد افتراس تونس لانه حتى وان كان قيس سعيد رافضا للديكتاتورية فلا شيء يضمن ان من سيخلفه بعد انتخابات 2024 ان يكون ديمقراطيا حد النخاع.
وانتفض البرلمان المتذرر والمتشتت والذي لو منح للشيطان ذاته مهمة تشكيله قبل انتخابات 2019 على تلك الشاكلة لفشل فشلا ذريعا لكن شياطين السياسة في تونس نجحوا في خلق برلمان لا اغلبية فيه لطرف على طرف ولا امكانية للتقارب داخله حتى بين من نظن انهم متحالفون فالجميع ينقض في المساء ما تم ابرامه في الصباح وفوق كل ذلك يتعالى الهرج والمرج والصياح وتبادل الشتائم وحتى تبادل العنف حتى من اجل اتفاقية استثمارية لا ضرر منها على تونس حسب نصها وما جاء في بنودها لكن شياطين السياسة في تونس المدعومين من شياطين اقليميين ودوليين شيطنوا تلك الاتفاقية وجعلوا منها استعمارا جديدا رغم انهم يعون ويعلمون ان من ينفذون اجنداتهم وتعليماتهم هم من يريدون استعمار تونس او استدامة سيطرتهم عليها وجعلها حديقة خلفية لهم إلى ان يرث الله الارض وما عليها .. وسقط حتى من يريد خدمة البلاد في فخ الاستفزاز وصار تمرير قانون يحتاج إلى جلسات علنية واخرى خفية وحسابات وصفقات رغم ان وضع البلاد لا يحتمل أي تاخير في المصادقة على قاونين تعتبر حياتية للتونسيين ولمستقبلهم ولانقاذ اجيالهم القادمة من خطر المعانانة التي نعانيها نحن جراء طغمة فقدت مع الثورة ثروتها واخرى فقدت نفوذها ومجموعة استقوت بالاجنبي لتشتغل عنده “خماسة” ومجموعة غيرها تريد تحقيق مكاسب لحزبها حتى لا يتحمل لوحده وزر الفشل وكل يغني على ليلاه إلا الشعب لم يجد من يغني لاجله .

فلا رئيس الجمهورية القادم من العمق الشعبي احس بمعاناة الشعب فابدى بعض التنازل ولا النواب الذين لم تطا اقدامهم مجلس باردو إلا بفضل الشعب فكروا في رد الجميل

وها ان البلاد في وضعية “المنجل والقلة” والجميع لا يتحرك إلا وفق حساباته ومصلحته الضيقة فلا رئيس الجمهورية القادم من العمق الشعبي احس بمعاناة الشعب فابدى بعض التنازل ولا النواب الذين لم تطا اقدامهم مجلس باردو إلا بفضل الشعب فكروا في رد الجميل لهذا الشعب ولا رئيس الحكومة الذي صنعت منه الصدفة وقبلها الحسابات الضيقة الشخصية الاقوى في البلاد تحرك ليصنع لنفسه مستقبلا زاهرا لن يتحقق إلا ان قدم للشعب خدمات يسجلها التاريخ ولا البرلمان تحرك ليكون بالفعل سلطة الشعب ليثبت انه ليس رئيس الجمهورية فحسب من كوكب اخر بل جميعهم من كوكب غير كوكبنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *