Avant Première
Image default
آخبار وطنية

لأول مرة تنشر: وثائق سرية أمريكية تكشف خفايا اغتيال صالح بن يوسف

سوسن العويني

قرابة ستّة عقود مرّت على اغتيال صالح بن يوسف، ولا يزال ملفّ اغتياله مُبهم الملامح ولم تُكشف حقيقته كاملةً بعد، على الرّغم من أنه يعتبر أحد أهمّ ملفات تاريخ الحركة الوطنية ودولة الاستقلال. ويطالب العديد من التونسيين الكشف عن تفاصيل هذا الملفّ في مقدّمتهم نجله لطفي بن يوسف الذي ما انفكّ يطالب بضرورة ردّ الاعتبار لوالده الذي يمثل أحد أبرز رموز الاستقلال.

تحدّثت وثائق سرّية نشرتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “السي آي ايه” موفّى 2016 وتعود في الأصل إلى ستّينيات القرن الماضي، عن مدى ارتباط بورقيبة بحادثة اغتيال بن يوسف.

وقالت السي آي ايه، في وثائقها إنّ اغتيال بن يوسف كان بأمرٍ من بورقيبة، الذي كان متخوّفا من تغوّله نظرا للمساندة الشعبية الكبيرة التي يحظى بها في الداخل، فضلا عن علاقته الجيدة بكلّ من مصر والجزائر وليبيا.

وأشارت المخابرات الأمريكية، على صعيد متّصل، إلى أن اغتيال بن يوسف ليس من المرجّح أن يثير الكثير من العداوة الفورية تجاه بورقيبة، بل من شأنه أن يسهّل تنظيم العلاقات بينه وبين “الأمة العربية المتحدة” (UAR) باعتبار العائق الوحيد الذي كان يعرقل مساعيه هو بن يوسف.

ولفتت الوثائق الاستخباراتية إلى أنه “خلال الأشهر الأخيرة التي تسبق استقلال البلاد في مارس 1956، تفوّق بورقيبة ذو التوجّه الغربي على صالح بن يوسف ذي النزعة العروبية وأقصاه من الحزب، وأُجبِر على مغادرة البلاد. بيد أنّ بن صالح لم يتوقّف بل واصل معارضته لبورقيبة من منفاه في ألمانيا حيث اغتيل، وفق السي آي ايه. 

وأضافت السي آي ايه أنّه “حينها فقط تسنّى لبورقيبة الانفراد بالحزب والحكم وانطلقت آنذاك رحلته في الاستمتاع في لعب دوره “الأبوي” ، يلقي المحاضرات والخطابات، ويأتي بالحكم والعبر، ويتحدث عن الآداب والاخلاق والحقوق والواجبات”، وفق الوثائق. 

“رد الاعتبار واجب”

وتتهم عائلة صالح بن يوسف بورقيبة رفقة شخصيات سياسية وأمنية بالتورط في اغتيال والدهم، وما فتئت تطالب برد الاعتبار لصالح بن يوسف ودوره في تاريخ الحركة الوطنية التونسية من خلال إعادة كتابة التاريخ، إضافة إلى إلغاء الأحكام المجحفة الصادرة بالإعدام بحقه سنتي 1957 و1958.

وفي خضمّ هذا الشأن كان رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي قد استقبل ، الجمعة 24 جانفي بقصر باردو، لطفي بن يوسف نجل صالح بن يوسف، أكّد خلاله أنّ رد الاعتبار يمثل جزءًا لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية.

وكانت هيئة الدائرة الجنائية المختصة في النظر في قضايا العدالة الإنتقالية بالمحكمة الابتدائية بتونس قد نظرت الجمعة في قضية الزّعيم صالح بن يوسف الّذي وقع تصفيته نتيجة خلافات شخصية مع بورقيبة حول الإتّفاقيات والمعاهدات المتعلّقة أساسا بالإستقلال الدّاخلي.

وكشف نجله لطفي بن يوسف، أن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة كان قد فرض حضرا على العائلة ومنع عنها أية مساعدة من أية جهة داخل تونس عبرت عن نيتها في ذلك.

وقد وجه لطفي بن يوسف، اتهاما لبورقيبة بالوقوف وراء جريمة اغتيال والده، معتبرا أن الجلسة حدث تاريخي هام باعتبار أن المحاكمة تخص اغتيال زعيم سياسي معارض والمتهم الرئيسي فيها هو رئيس الدولة وأضاف أن المتهم الرئيسي رغم غيابه بالوفاة فإنه كان اعترف في حياته بأنه هو من نسق عملية اغتيال غريمه وذلك في محاضرة ألقاها في ديسمبر 1973 بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار.

“الحقيقة في أرشيف الداخلية”

وقد اجتمعت مداخلات المحامين أثناء الجلسة على ضرورة إجراء محاكمة حقيقية وليس مجرد جلسة لعرض الشهادات، كما طالبوا بإصدار بطاقات جلب في حق الأشخاص المتورطين في عملية الاغتيال ولا يزالون على قيد الحياة، مشدّدين على ضرورة الإطلاع على أرشيف وزارة الداخلية والتلفزة الوطنية، لاسيما الخطاب الذي ألقاه الحبيب بورقيبة بمعهدالصحافة وعلوم الإخبار المتضمن لاعترافه بوقوفه وراء عملية اغتيال صالح بن يوسف.

من جانبه أفاد أحد أعضاء هيئة الدفاع عن صالح بن يوسف، المحامي عفيف بن يوسف، أن القضية تندرج في إطار مسار العدالة الانتقالية بهدف كشف الحقائق وحتى لاتعيد الأجيال القادمة نفس أخطاء الماضي المتمثلة في فض خلافاتها عبر عمليات التصفية الجسدية، وأضاف أن الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة هو من أذن بالقيام بعملية الاغتيال وهو ما أثبتته الأبحاث، وفق تعبيره، مشيرا إلى تورط دول أجنبية في العملية، وهي فرنسا وألمانيا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية .

وأوضح أن التهمة تم حفظها في حق المتهمين الرئيسيين الذين أعدوا للجريمة وهم”الرأس المدبر” الحبيب بورقيبة والبشير زرق العيون وحسن بن عبد العزيزبسبب الوفاة.

ولئن طالب لطفي بن يوسف بإحضار منفذي عملية الاغتيال المباشرين الثلاث وهم كلّ من من عبد الله بن مبروك الورداني ومحمد بن خليفة محرز وحميدة بنتربوت، فقد تبيّن من خلال مضموني وفاة قدّما لهيئة المحكمة أنّ الموت قد غيّب كلّ من عبد الله بن مبروك الورداني ومحمد بن خليفة محرز، فيما لايزال   حميدة بنتربوت على قيد الحياة إلا أنه لم يحضر.

أطوار “جريمة الدولة”

يذكر أن  هيئة الحقيقة والكرامة قد أشارت في تقريرها الختامي إلى أن بورقيبة اتخذ قرار تصفية رفيق دربه السابق وخصمه اللاحق صالح بن يوسف، على إثر لقاء عاصف جمع بينهما بمدينة زيوريخ السويسرية يوم 2 من مارس 1961.

انتظم هذا اللقاء بقاعة النزل الذي يقيم فيه بورقيبة وذلك بسعي منه وبتنسيق مع مدير ديوانه البشير زرق العيون، وانتهى اللقاء بعد تشنج بمغادرة بن يوسف بطلب من بورقيبة الذي اتهمه بمحاولة اغتياله بواسطة مسدس كاتم للصوت أو بالسم.

إثر ذلك، كوّن بورقيبة وبإيعاز من وزير الداخلية وقتها الطيب المهيري فريق الاغتيال مكلفًا مدير ديوانه ورئيس حرسه البشير زرق العيون، ابن خالة بن يوسف، بالإشراف على المهمة.

وقد قام بورقيبة بتوسيم القاتلين وهما عبد الله بن مبروك ومحمد بن خليفة محرز بوسام الاستقلال عام 1974 بمناسبة الذكرى الأربعين لانبعاث الحزب الدستوري الحر  كما كافأ المشرف الميداني زرق العيون بالصنف الأكبر من وسام الجمهورية.

ثبت، وفق هيئة الحقيقة، أن السلطات الألمانية انتهت بختم الأبحاث اللازمة في واقعة الاغتيال بتوصية من سفارة ألمانيا بتونس التي أكدت دور البشير زرق العيون في المحيط الضيق لبورقيبة وعليه من غير الموصى به إصدار بطاقة إيقاف بحقه ذلك أن تتبعه من شأنه توريط رئيس البلاد نفسه وهو ما يعني إفساد العلاقات التونسية الألمانية.

ولم يقم بورقيبة، في الأثناء، بالمطالبة بجلب جثة بن يوسف أو بفتح تحقيق قضائي عن واقعة اغتياله وهو ما يمثل دليلًا آخر على تورط الدولة في عملية التصفية، وفق الهيئة.

وتعتبر معارضة بن يوسف لاتفاقية الاستقلال الداخلي بين تونس وفرنسا التي وقعها الحبيب بورقيبة سنة 1955، القطرة التي أفاضت الكأس في علاقته مع بورقيبة، فبعد أن كان من رفاق بورقيبة في الحزب الحر الدستوري الجديد، أصبح ألد أعدائه، فقد كان بن صالح يعتبر الاستقلال الداخلي منقوصًا وخيانة، وشدد على ضرورة مواصلة الكفاح المسلح للحصول على الاستقلال التام لبلدان المغرب العربي كلها وليس تونس فقط، بينما كان الحبيب بورقيبة يطالب المقاومين بالنزول من الجبال وتسليم أسلحتهم.

اتسعت شقة الخلاف بين الرجلين، فاتهم بن يوسف بورقيبة بأنه “عميل للغرب وعدو للعروبة والإسلام”، وفشلت كل محاولات الصلح بينهما، وفي مؤتمر الحزب الحر الدستوري الجديد – في 15 من نوفمبر 1955 – غلبت كفة بورقيبة بدعم من قيادة اتحاد النقابات، فاتخذ الحزب قرارًا بطرد صالح بن يوسف من هياكله، وبدأت مضايقات وملاحقات أتباعه.


Related posts

كشفتها دماء العفاس ودموع المكي… قطاع الصحة “ينزف” جراء بلطجة وفساد نقاباته

Zina Bk

غدا…أكثر من 6 مليون ناخب يشاركون في الانتخابات الرئاسية

Rim Rim

اختص البراكاجات وخلف لـ 24 ضحية تشوهات وعاهات …”بريطا “مروع المواطنين في قبضة الأمن

Zina Bk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.