ثقافة

“نوبة”.. ثورة ثقافية

أصبح المشهد الثقافي في تونس في السنوات الأخيرة، يعيش حالة من اليتم و الفقر  أنتجت فراغا رهيبا و غياب أعمال فنية ترتقي بالذوق العام و تساعد في بناء فكر ثقافي يجعل المتلقي من عامة الناس يفهم جيدًا ما يدور حوله و خلفه و أمامه،  باعتبار الثقافة هي البوصلة التي  تعدل عليها الشعوب اتجاهاتها وهي كذلك المرآة العاكسة التي يستعين بها ليرى ما يخفيه عنه أصحاب القرار خاصة من السياسين،  كلنا نعلم أنه عادة ما تكون العلاقة بين السياسة والثقافة متوترة و أحيانًا عدائية نظرا إلى طبيعة غالبية أهل الثقافة المتمردة و كذلك رغبة السياسة في احتواء القطاع  و تدجينه،  و هذا ما  كان يحدث  في تونس  طيلة عدة عقود من الزمن منذ الفترة البورڤيبية وصولًا إلى الحقبة النوفمبرية  حيث عشنا مشهدا ثقافيا يطغى عليه “ضربان البندير”  في غياب كلي لرسالة و دور المثقف الحقيقي التي هي تنوير العقول و تحريك الشعوب و دفعها نحو لعب دور المواطن لا دور الرعية الذي يعيش ليأكل و ينام و يتكاثر في انتظار الموت دون أي مبادرة يعبر بها على قيمته كإنسان…

من بركات الثورة التونسية أنها أخرجت لنا جيلا جديدا من أهل الثقافة والفن يعبر على تطلعات الشباب الثائر الذي لم يعد يحتمل سياسات بالية قديمة و رثة،  أكل عليها الدهر و شرب..  شباب مل البيروقراطية و قوانين انتهت صلاحياتها مع زوال نظام الاستبداد لأن تطلعات جيل الإنترنت و “نيوميديا”  و الثورة التواصلية الاتصالية  لم تعد قادرة على تحمل سياسة الخطب الخشبية و الكلام الغوغائي و الشعبوي الذي لا طائل من ورائه إلا البؤس و الجلوس في المقاهي على قهوة  “كابيسون”  تجتمع عليها مجموعة شباب من أصحاب الشهائد العليا العاطلين عن العمل…

من هؤلاء الشباب أصحاب الثورة الثقافية الجديدة المسرحي و السينمائي و المخرج الشاب عبد الحميد  بوشناق الذي بأدوات بسيطة وفي ظرف وجيز غير وجه المشهد الثقافي 360 درجة بأعمال سينمائية و تلفزية أدارت له الرقاب وسط حالة من النشوة و الإعجاب برؤية فنية ثقافية جديدة متطورة و تعبر عن هموم و مشاكل الجيل الجديد..  صحيح أن العمل الدرامي “نوبة” هو عبارة عن حفظ الذاكرة الاجتماعية لأحداث مرت بها بلادنا جعلت عقارب الساعة تتوقف لعشرات من السنين لكن الهدف الرئيسي من العمل الفني الرائع لولد بوشناق  كانت “غمزة” و رسالة شديدة اللهجة لأصحاب القرار اليوم في البلاد أنكم تحكون جيل لم يتربى كما تربيتم  أنتم إنه جيل التطبيقات و العولمة لهذا لا تعاملونه كما عاملوكم الآخرين في السابق…

أنتم اليوم تتعاملون مع جيل “الدشرة”  و “الروندوني”  الباحث عن الحرية في الطبيعة هروبًا من ربطة العنق و “الكوستيم”  الداكن الذي تلبسونه و الذي يشعر شباب اليوم بالاختناق و القرف منكم…

العمل الدرامي “نوبة” كان في هذا الاتجاه أولًا المصالحة مع الثقافة و إعادتها لمكانها الطبيعي كأداة رقابية و” رادار” يرصد كل الخروقات التي ترتكبها السياسة لأجل إصلاحها و ثانيا كجرعة أمل للشباب حتى يأخذ مصيره بيده و يبادر و ينطلق دون الخوف من الفشل لأن الخوف من الفشل يقتل الطموح أن تحاول و تبادر ألف مرة و تفشل تسعة مائة مرة لتنجح مرة أفضل من أن تبقى رهينة في مربع “ريض اركح اقعد غادي عيب ميش متاعنا يزي احشم اكبر منك !!!!! “

عبد الحميد بوشناق “عفريت” مسرحي و سينمائي جعل نهاية “نوبة” فرح في معنى رمزي ورسالة رائعة لمعنى فرح،  لهذا يجب استثمار عبد الحميد بوشناق و أمثاله في ثورة ثقافية تنهض بالدراما السينما و المسرح…

“نوبة” كانت خلطة عجيبة تركيبتها مسرح سينما، أنتجت عملا دراميا رائعا كان فيه اختيار الممثلين قمة الاحتراف حتى أن المخرج بوشناق واضح جدا أنه وظف الحالة الصحية للفنان الكبير حسين المحنوش شفاه الله في طبيعة دوره  ليكون الأداء قمة في الروعة كذلك باقي الاختيارات كانت على المقاس…

عبد الحميد بوشناق و كامل الفريق من ممثلين تقنيين و إدارة انتاج يستحقون علامة ممتاز جدا واصل…

لكن في المقابل على بوشناق  الذي رفع من سقف الجودة عاليًا  أن يعلم أنه قد صعّب المهمة كثيرا عليه و على غيره حيث لم يعد مسموحا بالنزول تحت هذا السقف لأن النجاح الصعب قد يأتي بتظافر الجهود أو حتى عن طريق الصدفة لكن المحافظة عليه أصعب و هو تحدّ كبير ينتظر عبد الحميد بوشناق…

الثقافة هي صوت الشعب بعيدا عن كل توظيف ايديولوجي يجعلها في برج عاجي خارج سياق الجغرافيا و  التاريخ…

“برافو” عبد الحميد بوشناق لقد جعلت “نوبة”  إشارة لوضع حجر أساس عولمة الثقافة التونسية بعيدا عن الرداءة و الابتذال…

خالد الهرماسي

Related posts

تأجيل التظاهرات بمدينة الثقافة

rim rim

علاء الشابي يقدّم برنامجا جديدا على قناة ” التاسعة “

rim rim

فيروس كورونا يودي بحياة عازف الساكسوفون الكاميروني “مانو ديبانغو”

rim rim

Leave a Comment